مهرجان “فرح بعلبك”: إرث حضاري يجمع الأصالة والحداثة في إنتاج بعلبكي خالص

6 Min Read

في ليلة سحرية جمعت بين عراقة التاريخ وألق الفن الحديث، انطلقت فعاليات مهرجان “فرح بعلبك” في السادس من أيلول على مدرجات معبد باخوس الأثري within قلعة بعلبك التاريخية، في حدث فني استثنائي جمع بين الأصالة والحداثة. هذا المهرجان الذي نظمته جمعية “ريشة ونغم” بالشراكة مع شركة Fenix Production، يمثل نموذجاً فريداً للإنتاج البعلبكي الخالص، حيث تم التخطيط والتنفيذ بأيدي أبناء المدينة، مما يؤكد قدرة البعلبكيين على إحياء تراثهم الثقافي والفني برؤية معاصرة.

الإنتاج البعلبكي: روح المهرجان وجوهره

أكد المهندس علي الططري، رئيس مجلس إدارة شركة Fenix Production، أن المهرجان يمثل “نقلة نوعية لفرح في اتجاهات عدة، هو مزيج بين التراث والحداثة وبين الثقافة والفن”. وجاءت كلماته خلال المؤتمر الصحفي الذي عقد في قصر بعلبك التراثي للإعلان عن تفاصيل المهرجان.

ما يميز هذا الحدث هو أنه إنتاج بعلبكي خالص، حيث أشرف على تنظيمه أبناء المدينة من خلال شركة Fenix Production التي تضم فريق عمل من “بعلبكيي الأصل” كما أكد الططري، مضيفاً أن الهدف هو إيصال رسالة للعالم بأن بعلبك تمتلك القدرات والإمكانيات والوسائل لتنظيم أعمال فنية تليق بمكانتها التاريخية والثقافية .

لقد نجح المنظمون في توفير كامل اللوجستيات الضرورية للمهرجان، من مدرجات تتسع لحوالي 2500 شخص، إلى مسرح مجهز بأحدث تقنيات الإضاءة والصوت، مما وفر تجربة ثقافية فريدة للجمهور في موقع تراثي يعتبر من أهم المواقع الأثرية في العالم .

الفنانون والأصوات: باقة من المواهب البعلبكية واللبنانية

شارك في المهرجان مجموعة من أبرز الفنانين البعلبكيين واللبنانيين، حيث قدم الفنان نادر الأتات، ابن بعلبك، مجموعة من الأغاني الخاصة التي كتب كلماتها الشاعر البعلبكي الكبير طلال حيدر، بالإضافة إلى أغاني من الفلكلور والباقات الغنائية الجديدة التي تليق بمكانة المهرجان .

كما تضمنت الأمسية عروضاً للفنان حليم كرم بصوته الواعد، وعزفاً رفيع المستوى لعازفة الكمان حنين علم، بالإضافة إلى مشاركة خاصة لتقديم تحية لروح الفنان زياد الرحباني الذي ترك بصمة خاصة في تاريخ الفن اللبناني .

ومن اللحظات الفريدة في المهرجان، الأداء الذي قدمه الأستاذ ملحم تكريماً للإله بعل باللغة الفينيقية، في خطوة جريئة جمعت بين موسيقى التكنو الحديثة والمجوز والربابة والقانون والآلات الشرقية الأصيلة، مما شكل مزيجاً فنياً استثنائياً يجسد روح الجمع بين التراث والحداثة التي انطلق منها المهرجان .

رسائل المهرجان: الفرح المقاوم وإعادة إحياء الدور الثقافي

جاء مهرجان “فرح بعلبك” حاملاً رسائل عميقة تتجاوز الحدث الفني نفسه، كما أوضح الدكتور حسين الجمال، أمين سر جمعية “ريشة ونغم”، الذي أشار إلى أن المهرجان يهدف إلى إيصال عدة رسائل، أولها أن “بعلبك التي عانت خلال الحرب من حقها أن تفرح، وأن تظهر للعالم كله أننا شعب يقاوم ويحب الحياة” .

كما هدف المهرجان إلى إظهار قدرة أبناء بعلبك على تقديم أعمال مميزة بقدراتهم الذاتية والثقافية والفنية،الصورة النمطية التي تظهر للمجتمع اللبناني عن المدينة، وإبراز الوجه الحضاري والثقافي الذي طالما تميزت به بعلبك عبر التاريخ .

ولم ينس المنظمون الجانب الإنساني، حيث خصصوا جزءاً من ريع الحفل لدعم جهاز الدفاع المدني في بعلبك، وتخليداً لذكرى الشهداء الذين سقطوا خلال الحرب، خاصة شهداء العدوان الذي استهدف مركز الدفاع المدني في المدينة .

التحديات والإنجازات: قصة نجاح بعلبكية

رغم الصعوبات والضغوطات التي واجهها المنظمون، كما أشار الدكتور حسين الجمال، إلا أنهم أثبتوا قدرتهم على إنجاز عمل فني يليق ببعلبك وبرموزها الثقافية والتاريخية . وقد جاء المهرجان تتويجاً لجهود استمرت أربع سنوات متتالية، حيث تقيمه جمعية “ريشة ونغم” للسنة الرابعة على التوالي، مؤكدة استمرارها في تقديم الأفضل للمدينة وأهلها .

لقد نجح المهرجان في جمع حوالي 80% من برنامجه من مواهب وفنانين من منطقة بعلبك، مما يعكس غنى المدينة بالمواهب الفنية والقدرات الإبداعية التي تحتاج إلى دعم واهتمام لتبقى منارة ثقافية في لبنان والمنطقة .

مستقبل المهرجان: رؤية للاستمرارية والتطوير

ينظر المنظمون إلى مهرجان “فرح بعلبك” ليس كحدث عابر، بل كمشروع ثقافي مستدام يسهم في إعادة إحياء الدور الثقافي والفني لمدينة بعلبك، التي كانت عبر التاريخ منارة للحضارة والثقافة والفنون .

كما يطمح المنظمون إلى توسيع نطاق المهرجان في الدورات القادمة، وجعله موعداً فنياً سنوياً يتوقعه الجمهور، ليس فقط من بعلبك ولبنان، بل من مختلف الدول العربية والعالمية، مستفيدين من الموقع التاريخي الفريد لقلعة بعلبك التي تستقطب السياح من جميع أنحاء العالم .

الخاتمة

مهرجان “فرح بعلبك” ليس مجرد حدث فني عابر، بل هو رسالة ثقافية وإنسانية من أبناء بعلبك إلى العالم، تعلن أن روح الحياة والفرح والإبداع أقوى من كل الظروف والتحديات، وأن المدينة التي قدمت للعالم واحدة من أعظم الحضارات الإنسانية، قادرة على مواصلة العطاء الثقافي والفني بجهود أبنائها وإرادتهم.

هذا النجاح الذي حققه المهرجان يشكل دليلاً عملياً على قدرة المجتمعات المحلية على إحياء تراثها الثقافي وتطويره برؤية معاصرة، عندما تجتمع الإرادة والتصميم مع الاحترافية والإبداع، مما يضع بعلبك على الخريطة الثقافية والفنية كلبنان والعالم من جديد.

Share This Article
Leave a comment